ابني والحرية

سألني: "أترى كيف تكون الحرية يا ابي؟".
وتابع: "قلت بانك تلتهم حرية. فهل انّ الحرية مأكل او مشرب؟" هل لي ان اذوق طعمها؟ من اين اشتريها ومن يصنعها؟".
استكنت لبعض الوقت وابلغته بانّ الحرية طير نادر مداه القلب، ويقتات محبة وسموا. وابلغته بانّ "طير الحرية يخرج من رماد التفلت من كل القيود التي تشد الانسان الى التراب. فيصير الانسان نفسه هو الطير الذي لا يمكن الإمساك به وسجنه حتى في قفص السلطة المذهب. يصير هو نفسه الغذاء النازل من فوق على الارض".
وتابعت: " تلتهم الحرية يا ولدي حين تلتهم شهواتك ورغباتك فلا يعود يعوزك شيء. تلتهم الحرية حين تحتسي الانوار وتتخذ النسائم رداء والأشجار مسكنا لأحلامك وحين تدفن همومك في البحار العميقة. تصير حرا عندما تكتفي بربك ونفسك ولا يعود يكبلك شيء من أشياء هذا العالم. الحرية لا تشترى يا ولدي بل هي وديعة تنتظر ان تبزغ وتكبر في قلبك. لا تبزغ الوديعة الا إذا ما ارتوت من دموع المك وكبرت بشمس آمالك ونمت بتربة عشقك الى التحرر والسمو".
وقلت له: "تتساقط الكواكب نيازكا يا ولدي على الأرض حين تنجذب الى الكوكب، ويطلع للبشر اجنحة ويصرون كواكبا إذا ما تحرروا من الجاذبية. القصة كل القصة هي مقاومة الجاذبية كي نتجذب الى ما هو اسمى. فتصير الحرية والنجوم".
تطلع بي مليا، ونظر الى السماء فلمح نسرا يعانق الاديم. فقال: "ابي الا فأنظر كيف تغلب النسر على الجاذبية فعانق سماء الحرية".
وعاد فسأل: " لكن كيف يطير بالحرية؟".
اجبته: "الحرية هي ان تفرغ نفسك، فتترك للنسائم فرصة كي تأتي فتملأ قلبك، فتحملك رياح المحبة الى حيث تنظر، الى النجوم. لا تحمل النسائم الا من خفّ وزنه وزادت قامته، فصار من عطر ونور".
واكملت كلامي:
"لا يطير الذين ثقلت اوزانهم وانجذبوا الى المادة والشهوات، فتلك قيود. وكل ما هو من مادة موطنه التراب. والقيود تسمر البشر في مواضعهم، فلا يعودون يتحركون. وينامون نومة الموت في أماكنهم الى ان يوافيهم الرقاد. الحرية هي ان يتحرر فكرك من العبودية والخوف. الحرية والخوف لا يلتقيان، فالخوف اسر الانسان بفكر الانسان. اما الرجاء فقوت للإنسان بخبز الحرية. من يفرغ نفسه يعطي ويعطي من نفسه. اما من تثقله المادة والشهوات يطلب ما لنفسه وما لغيره ولا يعرف الشبع والارتواء او الاكتفاء، ويظل ينجذب الى ما لغيره حتى الفناء.
تستطيع ان تحيا بلا خبز أربعين يوما، وبلا ماء ثلاثة أيام، لكنك لا تستطيع ان تعيش انسانا بدون حرية ولو للحظات. تصير عنصرا. تسقط نيزكا. فالحرية يا ولدي عطية الالوهة وسر الناسوت وعطر الوجود. الحرية سيادة، واللا حرية عبودية.
ويروح العبد يبحث جاهدا عن نفسه فلا يجدها. فيستعيض عن السعادة باللذة، وعن الحياة بالعيش، وعن الحرية بالعبودية، وعن السمو بالمناصب، وعن الشبع بالشراهة وعن المحبة بحب الفضة وعن البحث عن نفسه بالنظر الى غيره. تصير نفسه سجنه ويصير هو المسجون والسجان.
يقع حينها ولا يعود شيء يقيمه الا تلك البزرة التي أهملها والتي هي الحرية. وتصير تلزمه انهار من دموع وشموس من محبة وسهول من خفر كي ترتوي تلك البزرة، فتبزغ شجرة تقيمه.
يصير يشعر بالفراغ ولو انه يعيش محاطا بالبشر. يشعر بالدونية وهو في اعلى المواقع. يشعر بالفقر وهو يمتلك الثروات. يشعر بالجوع في عز التخمة. مسكين هو لأنه فاقد للحرية. ويروح يبحث عنها فلا يجدها. يبحث عنها واهوائه قيود تسمره في الارض".
استكان ولدي، وتطلع بي وقال اريد ان أكون حرا. اريد ان أكون نسرا يرتوي ويقتات من زرقة السماوات.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *